مختـــاراتنا:
مقسم

وعي سائق التاكسي وأستاذ الجامعة !

كثيراً ما نسمع كلمة ( الوعي ) تتردد في نقاشاتنا دون أن نمسك بمعنى محدد لها . يقول فرويد :” إننا بصدد واقعة بدون أي مكافئ لها ، لا يمكن تفسيرها ولا وصفها ، وعلى الرغم من ذلك يعرف كل منا مباشرة ومن خلال التجربة ما هو المقصود حين يجري الحديث عن الوعي “.

فهو من المفاهيم التي تُدرك وتُعرّف من خلال إحساس المرء بها ومعايشته إياها ولا يمكن الاتفاق التام على وصف واضح له .

فمن معانيه انتباه الإنسان ومراقبته لأفكاره وسلوكياته وتقييمها وفق منظور محايد و موضوعي ، فكلما اهتم بذلك أكثر زادت درجة وعيه . يقول الدكتور مصطفى حجازي :” هنالك علاقة وثيقة بين الوعي والانتباه ، إذ يتمثل الانتباه في عملية التركيز على اليقظة الواعية مما يوفر حساسية متصاعدة لفئة من الخبرات التي تحتاج إلى معالجة تحليلية نقدية أكثر شمولاً وعمقاً “.

وهو أشبه بكاميرا فيديو ترصد المحيط السلوكي كما أنه يعمل كمُوجِّه له ، فهو يتدخل حين يصبح هنالك اختلال في العادات السلوكية اليومية ، كالمشرف في المصنع يركز على مناطق الخلل ليقوم بتقويمها ، لذا فهو مرتبط دوماً بعمليات التفكير التحليلي النقدي الذي ينهض بالإنسان ويرتقي به ، وهنا تتدخل عدة عوامل في محيط الإنسان فتقوم بمحاولة التضليل أو التسطيح أو الإرباك وحين يركن الإنسان إليها فسيكون أقرب إلى التخلف .

وحين نُقيّم وعي مجتمع ما فنحن نعتمد على مقدار وعي غالبية أفراده ويتجلى ذلك في سلوكياتهم اليومية الروتينية كقيادة السيارات والوقوف في طوابير الانتظار وإتقان أعمالهم وتعاملهم ومواضيع نقاشاتهم وكل ما هو نتيجة لطريقة تفكيرهم .

ففي بعض الدول الأوروبية يلاحظ الزائر لها مدى الوعي والرقي الذي يتصف به فئة كبيرة من شعوبها ، ذلك الوعي الممزوج بالتأنق السلوكي في التعامل ، حين زرتُ بعض تلك الدول كنت أتحاور مع سائق التاكسي وأستاذ الجامعة فلا أجد فرقاً كبيراً في اتساع الوعي – وإن كان أستاذ الجامعة أغزر علماً ومعرفة – إلا أن بقية المجتمع ليسوا كذلك وهذا يدل على أن العلم شيء والتربية شيء آخر ، فكثرة المعلومات قد لا تعني زيادة الوعي بل التربية باختلاف طرقها ووسائلها تُعد المؤثر الأبرز .

وحين كنت أركب القطار – مثلاً- ألاحظ أن لدى الكثير منهم رغبة في زيادة وعيهم من خلال الحوار والنقاش حول الثقافات الأخرى بل ويجدون في ذلك متعة كبيرة .

ولكي نُساهم في رفع وعي مجتمعاتنا فإن أول وأهم طريقة هي تكثيف نشر الأفكار الحضارية من خلال الكتابة بمختلف أشكالها والفن الهادف بكل ألوانه ، ومن المؤسف أننا نعاني مما يُعرض في غالبية الدراما من تركيز على مبادئ وأفكار تُسطّح الوعي بينما يمكن أن تؤثر إيجاباً لو كُتبت نصوص مفعمة بأفكار التحضر والرقي ، فالدراما هي أسرع وسيلة للتأثير في طبقات هائلة من المجتمع وتنتشر بصورة ملفتة للغاية .

خاص لـ ( الهتلان بوست )