مختـــاراتنا:
مقسم

الوهم

أعاد أحد أصدقائي، والذي يدّعي أنه اكتشف نظرية “الوهم”، تعريف ما هو الوهم، وكيف أنه مصطلح أشمل وأعم مما نظن.

فالناس -كما يوضّح- إن لم يكن جميعهم متوهمون، فأغلبهم كذلك، وما الأمل، والأحلام، والطموح، والرغبة، والإرادة، و.. و إلا أفرعاً للوهم، الذي يخترق كل مناحي حياتنا فيصبح جزءا منا. وفي تقسيمه للوهم، يمضي ويفسر:

على صعيد الأفراد، هناك من يتوهم بأنه يستحق الاهتمام الشديد، لأنه ببساطة: ابن رجل مهم، فتجده يتوهم أنه ليس من المشمولين بالاصطفاف في الدور، أو رفض معاملة تعود له، وهذه النوعية بالذات ترفض رفضاً قاطعاً تطوير ذاتها، ويطلق عليها “وهم ابن الذوات”.

ويوجد من أنواع الوهم أيضاً “وهم المشاهير” كوهم تلك المطربة التى أطربتنا بأغانيها، فأحببناها، فتوهمت بما أنها محبوبة الجماهير، يحق لها أن تتحدث في العلن بلغة سوقية، وتوجيه الإهانات، والانتقاص من قدر معجبيها، لأن حبهم الكبير لها أعمى وسيغضون الطرف عن ما يبدر منها من سباب، وسيظلون دائماً وأبداً يكنون لها المودة والاحترام، أو ذلك الفنان الذي مثّل مسرحية أو مسرحيتان، وتوهم أن الناس جميعا تتعرف عليه أينما حل، وأن لعنة الشهرة تطارده، والناس لا هم لهم سواه.

وهنالك “الوهم المزدوج”، تجده في ذلك السمين ذو الوزن الزائد، من يتوهم أن باستطاعته البدء في تخفيف وزنه متى شاء، وأن شطيرة البرغر التى بين يديه ستكون آخر واحدة يلتهمها، وحينما يدرك أنه متوهم وأنه أضعف مما كان يظن بنفسه، يتوهم مرة أخرى أن ما به من سمنة إنما هو اختلال في “الغدد الوزنية” لن يستطيع التخلص منه.

أو “وهم مراّتي”، الذي يستوطن تلك الفتاة المتوسطة الجمال الموهومة بأنها أجمل فتاة عرفها التاريخ، فتراها تتميّع في حديثها، وتختار صديقاتها على أساس جمالهن، وتتوهم أن كل شباب العالم معجب بها، وتتفحص نفسها كل خمس ثواني في المرآة، ويجزم صديقي بأنها تتوهم أن المراآة ترد عليها بأنها أجمل من “سنو وايت”.

أو “الوهم الكبير”، في ذلك الموظف الصغير، في سفارة بلاده، المتوهم بأنه أهم من سفير بلاده، أو من وزير الخارجية نفسه، وأن ما يحدّث به أصدقائه على القهوة العربية الوحيدة في المدينة الأوروبية التى يخدم فيها، أثناء تدخينهم للشيشة، من الأهمية بأن تتصنت عليه مخابرات الاتحاد الأوروبي، ويقوده وهمه الى معاملة مواطنين بلاده بفوقية وغرور.

وبعض المتوهمين يثيرون الشفقة، أولئك اللذين ابتلوا بـ “وهم الرومانسية الغبية”، كتلك الفتاة التى تتوهم بأنها ستجد الحب، من خلال التسكع في الأسواق، وان روميو، سيلتقي بها، بالصدفة في احدى محلات “فندي، أو لوي فيتون”، فتعيش في وهم ان شكسبير سيعود للحياة، ليخلد قصة حبها في ابداع ادبي لامثيل له.

أو “وهم الحويذق”، وهذا النوع يكثر في موظفو منافذ الجوازات، في المطارات الأوروبية، فتجد بينهم ذلك الموظف، المتوهم بامتلاكه علم الفراسة، وما أن يقع بيده جواز سفر عربي، حتى يتوهم أن صاحبه، هو مؤسس الإرهاب العالمي، وأنه من سيكتشف تنكره، ويحل قضية الإرهاب للأبد، فيبدأ بتوجيه أسئلة غبية للمسافر العربي، حتى ليكاد المسافر أن يرجع ويستفرغ ما في بطنه من طعام الطائرة الرديء، في وجهه من سماجة أسئلته.

ولم ينسَ صديقي، أن يشرح لي، عن أولئك المتوهمين في تويتر، الذين يتابعون كل مسؤول وطويل العمر، متوهمين أن ذلك سوف يجعل المسؤولين يتعرفون عليهم، أو إذا صادفوهم يوماً لعلهم يذكرون لهم بأنهم من متابعينهم، فيعني لهم الكثير وتتغير معاملتهم لهم.

“وهم التسلق للقمة”، ويشمل هذه الفئة أيضاً، من يتوهم بأن بعض الجماعات السياسية الأجنبية، بإمكانها أن توصله إلى سدة الحكم في بلاده، فيتوهم بأنه يخدم قضية كبيرة، أكبر من وطنه، ويخلص للأجنبي من خلال خيانته لوطنه.

كما طلب مني أن أركز على “وهم الإعلام” الذي يصيب متوهمو العلم، ليتوهموا أنهم علماء الأمة، الذين سيجددون في هذا الدين، فيتوهمون قضايا لا يمكن حدوثها إلا في قصص الخيال العلمي، ثم يتوهمون لها فتاوي كوميدية، تنفع لأعمال ذلك “الفنان الوهم السخيف”، ليبني عليها فكرة مسرحية سخيفة، تعتمد على القفشات العنصرية، وعلى كوميديا مبتذلة رخيصة.

يضيف صاحب نظرية الوهم، أن الوهم، يصيب الدول كذلك، فبعض الدول تتوهم فتراها تتدخل في شؤون دول أخرى، وتمول أحزاب بها، أو تثير قلاقل في دول آمنة، متوهمة بأنها امبراطورية كبرى وأن ذلك ما يجب أن تقوم بها الامبراطوريات القوية، فتدس أنفها في العراق وسوريا ولبنان، وفلسطين، ودول الخليج، إلى درجة اننا لن نستغرب إذا نشأت مشكلة بين رجل وزوجته، أن يتوهما أن سبب المشكلة هي تلك الجمهورية المتوهمة.

وأخيراً يعجب صاحبي، أن يسر دائماً في أذناي، أن ثمة من يتوهمون بأن ما يكتبونه من مقالات رأي، لها متابعين وقراء يتأثرون بها.

قد يتفق البعض مع صاحبي، ويرجع كل أحداث الحياة للوهم، فالسلوكيات النابعة من وهم، نتيجتها سلبية بالتأكيد، بيد أن صديقي، قد يكون خلط بين مفهوم الوهم مع الأمل والطموح، والمحاولة، والرغبة، فلا يمكن أن نعيد كل ما نتطلع إليه إلى الوهم.

ثمة اختلاف كبير بين الأمس واليوم، وبين الحاضر والمستقبل، بين ما نحن عليه وما نرغب به ونحلم أن نتحول إليه، لنا الحق أن نحلم ونسعى للتغيير، وأن نحاول أن نصل إلى الأفضل، كما أنه لنا الحق أن ننتقد السلوكيات السلبية، ولكن سنكون مخطئين إذا أرجعنا جلَ حياتنا للوهم، أو قد أكون ببساطة أنا الآخر متوهم!

خاص لـ ( الهتلان بوست )