محمد فاضل العبيدلي
محمد فاضل العبيدلي
عمل محرراً في قسم الشؤون المحلية بصحيفة "أخبار الخليج" البحرينية، ثم محرراً في قسم الديسك ومحرراً للشؤون الخارجية مسؤولاً عن التغطيات الخارجية. وأصبح رئيساً لقسم الشؤون المحلية، ثم رئيساً لقسم الشؤون العربية والدولية ثم نائباً لمدير التحرير في صحيفة "الايام" البحرينية، ثم إنتقل للعمل مراسلاً لوكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) كما عمل محرراً في لوموند ديبلوماتيك النشرة العربية.

صناعة وتربية الوحش

آراء

يروي المصور الاسترالي الراحل نيل ديفز، أحد المصورين الذين غطوا حرب فيتنام والوحيد الذي وثق بالصور دخول الفيتكونغ الى سايغون في ربيع 1975، انه كان ذات يوم من ايام الحرب بصدد تصوير عملية اعدام ثائر فيتنامي في أحد شوارع سايغون عندما فكر في الزاوية المناسبة لتصوير العملية. يقول: “فكرت للحظات في الزاوية المناسبة للتصوير واخترت في ثوان ان أقف خلف الثائر تقريباً بحيث يصبح الضابط الذي سينفذ الاعدام بمواجهة الكاميرا”. وحسب ديفز الذي سجلت شهادته في فيلم وثائقي باسم “صحافيو الحروب” انتج في الثمانينات، فإنه اختار هذه الزاوية للتصوير مراهناً على ان مواجهة الضابط للكاميرا ستدفعه للتردد ولربما وقف تنفيذ الاعدام. لقد حصل ذلك فعلا، فالضابط حسب ديفز عدل عن تنفيذ عملية الاعدام.

 لكن هل الصحافيون والمصورون وحدهم من يعرفون تلك العلاقة الخطرة بين من يمارس فعل القتل والكاميرات؟ ان الجرائم لا ترتكب امام الكاميرات، لهذا فان الحقيقة الثابتة التي يعرفها الجميع هي أن آخر ما يريده او يتمناه من يقوم بأعمال القتل او المذابح هو وجود كاميرا تصور ما يفعل.

ان استذكار قصة نيل ديفز تلك مع عملية الاعدام في سايغون، يدفعنا للتساؤل: كيف يتمكن ارهابي يخوض حرباً من قتل رهينة مقيد بدم بارد امام الكاميرا دون ان يظهر اي نوع من اضطراب او ردة فعل مبالغ فيها او توتر يشعر به اي انسان في لحظات كهذه؟ وكيف يستمر ارهابي من نفس التنظيم في تلقين فتاة ستقتل بعد قليل بحضور والدها وتهيئتها لموتها رجماً بالحجارة وهو يعظها بهدوء ولغة مليئة بالود دون ان تظهر عليه اي علامات اضطراب او قلق او عصبية؟ وكيف ترد الفتاة التي كان ظهرها للكاميرا بهدوء واستكانة انها لا تطلب سوى ان يعفو عنها والدها قبل أن تموت؟

لقد شاهدنا شرائط مقززة لإعدام رهائن أجانب على يد من قيل انهم من مقاتلي “داعش” وشريط تم تداوله مؤخراً قيل انه يصور عملية رجم فتاة بتهمة الزنا في احدى المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش في سوريا. لكن التدقيق في كل هذه الاشرطة المقززة يظهر اناساً يمارسون القتل ويستعدون له دون أن يشعروا بأي قلق او اضطراب ينتاب اي انسان – حتى لو كان مجرما- لحظة القيام بقتل او ان يشهدوا حالة قتل، فهل الامر طبيعي؟

ولأن الأمر لم يبد طبيعياً، شكك البعض في هذه الشرائط حيث اعتبروا ان عمليات الاعدام تبدو كأنها صورت في استديو، فيما قال آخرون ان شريط رجم الفتاة المتهمة بالزنا صوره بعض افراد من شبيحة استخبارات بشار الاسد.

سيقودنا هذا حتما الى تساؤل يضيع وسط لهاث الاخبار: ماذا يعرف العالم اليوم عن “داعش” بعيداً عن هذه “الذاكرة البصرية” التي تم تشكيلها بدأب ومثابرة على مدى الشهور القليلة الماضية؟ “ذاكرة بصرية” مليئة بالرعب دفعت بكتاب ومعلقين للقول ان “داعش” يربح الحرب في فضاء الانترنت.

مع هذا، لا يجادل أحد هنا بأن تنظيم “داعش” موجود في العالم الافتراضي ويطل على شاشات التصفح الالكتروني فحسب، بل هو قائم على الأرض وينشط ميدانيا وله وجود حسي ثقيل الوطأة الى أبعد الحدود. لكن هذا الحضور الكثيف، اصبح هو المصدر الوحيد للصورة التي يريد التنظيم ان يرسمها لنفسه لكي تستقر في وعي المعنيين والعالم بأسره: ذبح، قتل بدم بارد وهمجية.

بدأت قصة هذا الوجود الحسي ثقيل الوطأة حسب أحد مؤسسي تنظيم “الجهاد الاسلامي” في مصر نبيل نعيم، مع خروج شخص عراقي يدعى “إبراهيم بن عواد السامرائي” الذي سيعرف فيما بعد بإسم “أبوبكر البغدادي”، من سجن امريكي في العراق عام 2006 ليشرع من فوره في انفاق نحو 20 مليون دولار لتأسيس تنظيم “داعش”. وحسب نعيم، فان أبومصعب الزرقاوي قتل بعد قليل من زيارة ابراهيم السامرائي (البغدادي لاحقاً) له وهو الامر الذي تكرر مع قيادات أخرى من تنظيم الزرقاوي. وحسب نعيم ايضاً (رفيق ايمن الظواهري في مصر وافغانستان)، فان السؤال الأهم هنا هو: من اين لمعتقل خارج لتوه من السجن ان ينفق 20 مليون دولار لتأسيس تنظيم جهادي؟

وعند محاولة تتبع سيرة البغدادي، لن يجد المراقب سيرة واضحة يمكن تتبعها عدا ظهور فجائي مثل ذاك الذي شهدناه في جامع الموصل عقب استيلاء التنظيم على المدينة قبل شهور خلت. انها نفس السيرة التي لا يمكن تتبعها لشخص لعب دورا مشابها مثل أبومصعب الزرقاوي. فكلاهما من ذلك النوع من القادة الجهاديين الذي ظهروا فجأة في العقود الاخيرة ليخوضوا حروباً لم يفوضهم لشنها أحد. فالتنظيمات الجهادية بدءاً من القاعدة وحتى “داعش” ليست تنظيمات جماهيرية قائمة على حشد التأييد لبرنامج سياسي، بل تكفي راية الاسلام في التسمية فقط، فهذه الراية كفيلة بتخمين افتراضات للهدف: محاربة الكفار.

لكن “داعش” عندما تأسس في العراق خاض حربه ضد العراقيين السنة وليس ضد الاحتلال الامريكي، ومن قاتل داعش وطردهم من القرى والبلدات التي سيطروا عليها هم مقاتلو الصحوات من ابناء العشائر السنية، فيما كان الزرقاوي يخوض حربه ضد العراقيين الشيعة. وفي سوريا، فان داعش خاض حربه ضد فصائل المعارضة الاخرى وخصوصا الجيش الحر وليس ضد قوات بشار الاسد، وهنا يصح سؤال منطقي: لماذا لا يحاربون المحتل الامريكي في العراق ولماذا لم يحاربوا نظام الأسد في سوريا؟

اذا كان التحليل السابق يقترح ان “داعش” صنيعة امريكية، وهو أمر اكتشفه شيوخ الفضائيات الذين كانوا يدعون الشباب للجهاد وكأنهم اكتشفوا العجلة، فان السؤال الذي سيلي هو: لماذا يتطوع الشبان العرب للانضمام الى صفوف التنظيم بلهفة؟

سيعيدنا السؤال حتماً الى مظاهر خلل جسيم يتعلق بمكانة الدين في مجتمعاتنا العربية دون ريب، قد تختزلها عبارة لصديق لي من البحرين يقول: “كلما استمعت لخطيب الجمعة، اخرج من الجامع ممتلئاً بالغضب وبي رغبة في قتل احدهم”.

لا يتحدث الصديق عن ايامنا هذه، بل عن عقدي الثمانينات والتسعينات عندما كان شابا يافعاً، والخطيب المعني كان واحداً من نجوم ما أسمي بـــ”الصحوة الاسلامية” التي دشتها الجهاد الافغاني في السنة الاخيرة من عقد السبعينات وانتصار الثورة الايرانية في السنة نفسها، إحفظوها جيدا: “1979”.

لكن لماذا تحولت واشنطن الان لقتال “داعش” وحشدت تأييداً دولياً ضده؟ قد يقترح احتلال مدينة الموصل بعض الاجوبة، فالتنظيم حظي بقوة عسكرية لا يستهان بها هم ضباط الجيش العراقي السابق الذي حله الامريكيون في بداية احتلالهم للعراق اضافة للعشائر السنية نفسها التي قاتلت التنظيم وهمشها نظام نوري المالكي فيما بعد. لهذا لم يكن مستغرباً ان اول تعليق على سقوط الموصل جاء على لسان عزة ابراهيم الدوري نائب رئيس الجمهورية في عهد صدام حسين ووصفها بعض البعثيين العرب بانها انتفاضة للعشائر. مع هذا التحالف تغيرت الاولويات قليلاً وفقد الساحر السيطرة على شياطينه.

انها القصة القديمة المتجددة حول الاختراق وصناعة الوحوش والقاعدة الذهبية في الصراع السياسي والعسكري: “اذا اردت القضاء على عدو، إخلق عدوا اكثر تطرفاً منه يسحب البساط من تحته”. هكذا، توارى تنظيم “القاعدة” الى الخلف ونسيه العالم لأن الوحش الذي خلفه اكثر بشاعة منه.

ولأن تنظيمات مثل هذه تصبح بعد حين مثل الماركة المسجلة، فبإمكان الجميع استخدامها حسب الظرف والمعطيات. فبعد ان استفاد الامريكيون منهم في العراق بالبقاء في مأمن، فان النظام السوري (وحلفائه الايرانيين) الذي سعى منذ بداية الانتفاضة المدنية السورية الى تصوير الصراع على انه صراع مع متطرفين اسلاميين، استفاد منهم قليلا عندما تولوا -نيابة عنه- محاربة فصائل المعارضة الاخرى واضعافها. ورغم وجود التنظيم في سوريا، فهو ليس في حالة حرب مع النظام بل مع الاكراد.

لكن خطر داعش مرشح للتصدير حسب الحاجة ومتطلبات الصراعات الاقليمية، تماما مثلما كان الأمر مع تنظيم القاعدة في السنوات التي تلت 2001. فالماركة المسجلة في طريقها للانتشار دولياً. وهي تصلح للابتزاز طالما ان عوائد النفط مازالت عالية رغم تقلبات الاسواق، وثمة اطراف يتعين ابتزازها واخضاعها في هذه المنطقة ومنطقة القوقاز وغيرها من مناطق التوتر.

المصدر: مترجما عن غلف نيوز