جميل الذيابي
جميل الذيابي
كاتب وصحفي سعودي

عهد جديد.. ووزراء شباب!

آراء

الإثنين الماضي 26 يناير اخترنا عنواناً رئيساً للصفحة الأولى من هذه الصحيفة من كلمتين فقط «عهد جديد». ولم تمرّ أكثر من 72 ساعة إلا وأعلن خادم الحرمين الشريفين 34 قراراً ملكياً، ما بين تعديلات وزارية كبيرة، وحزمة قرارات اقتصادية واجتماعية تشجيعية للمواطنين.

ليل الخميس، تسمّر السعوديون أمام شاشات قنواتهم التلفزيونية لمشاهدة الأوامر الملكية التي جاءت سريعة ومحفّزة، بعد مضي أسبوع واحد على تسلّم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم في بلاده. تُعد قرارات «ليل الخميس»، من أكبر التشكيلات والتعديلات الوزارية في السعودية. ولا شك في أن إعادة تشكيل مجلس الوزراء هو أمر طبيعي ومنتظر من الملك نحو تحقيق رؤيته في إدارة شؤون الدولة، كما فعل من قبله ملوك المملكة السابقون، رحمهم الله، وكما تفعل أية حكومة جديدة في دولة أخرى.

كان الأسبوع السعودي حافلاً بالتعازي في وفاة الفقيد والراحل الكبير الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وكذلك بالتهاني للقيادة الجديدة: الملك سلمان، وولي عهده الأمير مقرن، وولي ولي عهده الأمير الشاب محمد بن نايف، وبزيارات زعماء وقادة ومسؤولين، من بينها زيارة الرئيس الأميركي بوفد كبير من النخب والشخصيات السياسية المؤثرة في بلاده، ثم جاءت قرارات ليل الخميس بعد نحو أسبوع من انتقال السلطة بكل سلاسة، وتولى للمرة الأولى أحد أحفاد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وولي ولي العهد.

غادر تشكيلة الحكومة وزراء، وحلّت وجوه جديدة، بينها شباب «تكنوقراط» يحملون مؤهلات تعليمية وخبرات ميدانية وكفاءات عالية. وضخ العاهل السعودي قرابة ١١٠ بلايين ريال في مفاصل الدولة، لما فيه منفعة للوطن والمواطن، على رغم ظروف السوق النفطية الصعبة، وما تشهده من تراجعات متوالية في الأسعار، إلا أن الملك اتخذ كل تلك القرارات ثقة باقتصاد بلاده، وقدرات شعبه، وبحسن الإدارة السعودية نحو إنعاش البنية التحتية للإسكان، لحل مشكلة تؤرق أبناء المملكة، باعتماده 20 بليون ريال لتنفيذ خدمات الكهرباء، منها 6 بلايين لإيصال المياه، للإسهام في استفادة المواطنين من مخططات المنح في مناطق المملكة كافة. وكذلك أمر براتبين أساسيين لكل موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين ومتقاعدين، وراتب شهرين للطلاب ومستفيدي الضمان الاجتماعي أيضاً، مع دراسة سلم الضمان الاجتماعي. وكذلك لم ينسَ خادم الحرمين فئة عزيزة على نفسه اهتمّ بها منذ أن كان أميراً للرياض، وهي فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، بصرف إعانة راتبين لكل مسجّل فيها، مع دعم الجمعيات الخيرية المرخصة بملايين الريالات.

ولمعرفة الملك بقيمة الثقافة والأدب والرياضة وضرورة تشجيعها، أمر بمنح كل نادٍ أدبي أو رياضي عشرة ملايين ريال. ومن بين القرارات المهمة دمج وزارتي «التعليم العالي» و«التربية والتعليم» في وزارة واحدة بمسمى «التعليم»، بما يحقق التوازن في المخرجات، وبما يمنح الجامعات في المستقبل استقلالية مالية وإدارية.

من معرفة شخصية لبعض المسؤولين المعينين حديثاً، وقراءة السير الذاتية لأعضاء مجلس الوزراء الجدد، يتضح حرص الملك على وجود حكومة شابة ذات كفاءات، ممزوجة بوزراء الخبرة الذين ظلوا في مناصبهم في هذه المرحلة الحساسة، لما تشهده المنطقة من اضطرابات وقلاقل ومخاطر عدة. ويبدو ذلك واضحاً من خلال تشكيل مجلسين جديدين (حكومتين مصغرتين)، أحدهما للشؤون السياسية والأمنية، والآخر للشؤون الاقتصادية والتنمية، مع إلغاء اللجان والمجالس القديمة الـ١٢ التي أنشئت في ظروف معينة، وذلك لتسريع الإجراءات وتحقيق المرونة، وتهشيم «البيروقراطية» داخل الممرات الحكومية، وتقوية أجهزة الدولة، وتمكين مجلس الوزراء من بناء استراتيجيات فعّالة لما فيه خدمة الوطن والمواطن.

يخطئ من يعتقد أن هذه القرارات لمصلحة تيار على حساب آخر أو لفئة ضد أخرى! هذا ليس صحيحاً، وإنما تَصْبّ تلك القرارات في مصلحة البلاد، وتأتي في ظروف محلية وإقليمية حساسة تتطلب ذلك. لذلك يجب عدم الادعاء بأنها تخدم فئة معينة أو تياراً معيناً أو طائفة، بل الحقيقة أنها تخدم المملكة العربية السعودية وأهلها وساكنيها، حتى من الجنسيات الأخرى ولا غير ذلك، بدلالة العفو عن سجناء الحق العام، وتسديد ديونهم، سواء من السعوديين أم غير السعوديين، في مساواة لمن هم على هذه الأرض من الذين لم يمسّوا أمن البلاد واستقرارها بسوء، بمنحهم فرصة جديدة.

يتوجب على كل رجالات المملكة التعاضد والتكاتف في هذه الفترة العصيبة – ورفض أية مزايدات ومهاترات، ورفع عنوان «الوطن أولاً ولا للفئوية، ولا للطائفية ولا للعصبية، ولا للعنف والإرهاب»، ولجم كل من يحاول بث الفتنة والبغضاء.

الأكيد أن القرارات الملكية وسرعة اتخاذها من قبل العاهل السعودي تعكس رغبة وجدية الملك سلمان في سلك طريق الإصلاح، وتحديث أنظمة البلاد، ومواجهة التحديات الراهنة بالسرعة اللازمة. كما أنها تعكس شخصية الملك العملية والحازمة والسريعة في اتخاذ القرارات وفق المعطيات الراهنة لما فيه مصلحة الوطن من دون تأخير أو تردد، بدلالة اعتماده على عدد من الدماء الشابة المؤهلة للمشاركة في التغيير والتطوير، بما يحقق الرخاء والاستقرار، وبما يواكب التطورات والتغييرات المتسارعة.

المصدر: الحياة
http://alhayat.com/Opinion/Jameel-Al-Doiabi